الاثنين، 1 سبتمبر 2008

ذكريات في بنغازي !!

_ مدينة الملح ...
__ لا نعيش في المدينة، فحسب، بل أنها تعيش في أعماقنا دائماً، وبخاصة عندما ترتبط بذكريات الطفولة والصبا، حيث الخطوة الأولى، والكلمة الأولى، والحب الأول.. مدن تسكن فينا، رغم غربتنا، أو ابتعادنا عنها، وغالباً ما تكون هذه الغربة أو الاغتراب مصدر القلق الإبداعي، حيث يغمر الروح حنين لا يقاوم لمدينة ما، أو حبيبة ما، وليس ثمة طريق للهروب منها، سوى الرجوع إليها، عبر الذاكرة المشبعة بالماضي المثير، والزمن البعيد.

يعود الكاتب الليبي سالم الهنداوي، إلى مدينته الأولى ( بنغازي ) ليروي عنها حكايات، ويرسم صوراً غائبة، تكاد تندثر وتختفي في ضجة الحياة وغبار السنين، وهو يحاول أن يزيح عن وجه هذه المدينة العريقة، بعض شوائب الدهر، لتبدو، كما عرفها الكاتب، وكل أبنائها، في ذلك الزمن، بهية ومثيرة وساحرة !
في هذا الإنجاز الجديد يواصل الهنداوي مشروعه الأدبي، الذي بدأه في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، في مجموعته القصصية الأولى (الجدران) عام 1978، ثم تنوعت مجالاته واتسعت آفاقه، لتشمل، فضلاً عن القصص القصيرة، الروايات وقصص الأطفال، والحكايات، والمقالات والدراسات، بيد أن هذا النص الإبداعي الجديد (عودة الولد الصغير) الذي يصفه الكاتب نفسه، في عنوان فرعي، بأنه (حكايات من بنغازي) ربما يكون من أقرب أعمال الهنداوي إلى واقع الحياة الشعبية الليبية، التي شارك فيها، إنساناً وأدبياً، وقد يكون هذا النص أيضاً من أعمق الأعمال الأدبية في الانتماء إلى روح مدينة بنغازي، التي ولد فيها الكاتب، ونشأ في أجوائها الحميمة، ثم ترعرع، ونضجت تجربته الحياتية والأدبية، بين أهل هذه المدينة، سواءً كانوا من الناس البسطاء أو المثقفين المبدعين.
لم يشأ الكاتب أن يمنح حكاياته صفة (القصة القصيرة) على الرغم من أنها-شئنا أم أبينا- تنتمي إلى فن القصة، لكنها سميت (حكايات)، حرصاً من الكاتب على أن تبدو أكثر صدقاً من أية قصة، فالحكاية تنتمي إلى فن الواقع، والقصة أقرب إلى الخيال... والحكاية تمثل الفن الأدبي الأكثر رسوخاً في تراثنا العربي، وهي أقرب إلى المزاج الشعبي من الرواية والمسرح والقصة القصيرة، ذات الهوية الغربية.
وما يدعو إلى التأمل، في هذا الصدد، أن المرء عندما يفرغ من قراءة هذه الحكايات كلها، لابد أن يشعر أنه إزاء أحداث روائية، مكتوبة بلغة الحكاية، وأن الخيط الذي يربط بين تلك الحكايات هو الحياة اليومية، في مدينة (بنغازي) القديمة، وأن أبطال تلك الحكايات هم سكان تلك المدينة جميعاً.

إن الكتابة عن المدينة، من أكثر الموضوعات تكراراً في الأدب العالمي والعربي، فقد كتب (غوغول) قصة (المعطف) عن عامل فقير يموت، قهراً وبرداً، في أحد شوارع موسكو، حتى أصبحت هذه القصة نموذجاً أدبياً فذاً، حيث قال الكاتب (ترجنيف) عبارته المشهورة: (لقد أتينا جميعاً من تحت معطف غوغول). وفي نموذج عالمي آخر، كانت أعمال (همنغواي) تدور حول المدينة والبحر، وصراع الإنسان ضد الطبيعة القاسية، كما تجسدت في روايته (الشيخ والبحر).
أما في الأدب العربي، فإن حكايات (ألف ليلة وليلة) ما تزال حية في الوجدان الشعبي، وهي تمثل مصدراً ثرياً وملهماً للكثير من المبدعين، على امتداد المعمورة، في حين يزخر الأدب العربي الحديث بحكايات المدن وأهلها، ولعل الروائي الكبير (نجيب محفوظ) أبرز الأدباء، الذين رسمواً صوراً عن الحياة، في مدينة (القاهرة)، وكانت أعماله، ذات النكهة الشعبية، أكثر عمقاً وديمومة من الحياة نفسها!.
وفي السياق ذاته، يمكن أن نشير إلى تجربة الروائي عبد الرحمن منيف، في الكتابة عن (مدن الملح)، وبالأخص روايته (أرض السواد) التي يتحدث فيها عن الحياة في بغداد، قبل نحو قرن من الزمن.
وفي هذا السياق وامتداداً لذلك الإرث الثقافي والأدبي، يعود سالم الهنداوي، إلى مدينة بنغازي، كما كان، منذ نحو أربعين عاماً، ولداً صغيراً، ويأخذنا معه في رحلة اكتشاف جديدة، لهذه المدينة، حيث نشاهد ونسمع ونعايش، عبر الكلمات فقط، صوراً وأسماءً ووجوهاً وأماكن ومواقف، ربما غابت عن ذاكرة الكثيرين، واختفت في طيات الزمن، بيد أنها ظهرت، من جديد، حية، واضحة، في حكايات (الهنداوي)، الذي يبدو أنه استطاع أن يحيل فشله المبكر في (امتحان المدرسة) إلى انتصار في (مدرسة الحياة)، وهو يعبر فوق جسر الإبداع الأدبي، منطلقاً في طرق متعددة، كانت كلها تدور وتلتقي مجدداً في حارات وأزقة وبيوت (بنغازي) التي لم تفارقه، ولم يفارقها وجدانياً، رغم السفر والترحال.. فالمرء لا يستطيع الهرب من ذكريات طفولته، وبالأخص، إذا كان يحمل مدينته في داخل (قلبه) وليس في حقيبة السفر المعلقة على كتفه دائماً، وهو يجوب شوارع المدن البعيدة !
يكتب الهنداوي مقدمة طويلة بعنوان (بنغازي في الذاكرة.. وجه قديم كوجه أبي) وهي ليست مقدمة بالمعنى الاعتيادي، بل ترتدي ثياب الحكاية أيضاً، لأنها تروي حكاية الحكايات اللاحقة، وتمهِّد الطريق نحو عالمها المثير والطريف في آن معاً، حيث يقول : " لم تكن بنغازي، مدينة الملح – بأي حال – مدينة ثراء. ولم تكن لتمتد أكثر من مسافة قدمي طفل، في السابعة من عمره، اسمه (سالم زنقي الجنجان) بدأ حياته، منذ أجهش بالبكاء الطويل، على رمال شاطئ (توريللي)، بسبب رسوبه في امتحان أول عام دراسي، ثم مسح أول الدرب عن عينيه، ودفن دموعه هناك، على الشاطئ الغريب، بين الصابري والشابي، وعاد إلى بيته في شارع (ميلاد باله) كأنه يحمل جنازة فشله في الدنيا، تلك الدنيا التي لم تكن سوى الأحياء القديمة، بشوارعها الضيقة، بناسها وعرباتها البدائية، وبيوتها ودكاكينها ومقاهيها الشعبية. دنيا لها حدود جغرافية غير متناسقة، تبدأ من: الثامة، والزريعية، ودكاكين حميد والصابري، وتوريللي، وسيدي خريبيش، والشابي، ثم: سوق الحشيش، والسكابلي، وسيدي حسين، وشرقاً: (رأس عبيدة)، ثم تنقطع عند (السيلس)، لتبدأ (السبالة والبركة والكيش)، وشرقاً (الرويسات) التي كان يشقها صوت القطار، وهو في طريقه إلى الأبيار والمرج ".
ويتمادى الكاتب في التوغل في ذاكرة المدينة وتاريخها وحياتها الشعبية، أكثر فأكثر، فيضيف: (تلك هي الدنيا التي لم تخفني من الفشل في الدراسة، لأن المدرسة لم تمتحني في بنغازي التي أحببت ناسها، وتعلقت بهم. ولم تمتحني في ألعابنا الموسمية : الزغادي، الطقيرة، التصاوير، البطش، الخلالات، الغميضة، الليبرة وحلّت، والزناحة، والعربات التي كنا نصنعها بالتل وعلب الحليب الفارغة، والمكارة بمغاطي القازوزة، وكراريس الكوشنيتي.. ولم تمتحني في مناداتنا البريئة من أجل المطر، ونحن نحمل دمية (أم قطمبو) عالياً، ونطوف الشوارع قائلين : أم قطمبو يالصغار، جايا تشحت في المطار.. وإذا ما نزل المطر، ركضنا فرحين مبتهلين : يا مطر يا بشباشا... تغمرنا السعادة بالماء الذي ينهمر علينا، نفتح أفواهنا لنشرب من السماء، ثم نلهو بمياه الموازيب المتدفقة على رؤوسنا، نركض في الغدران، ونعود إلى بيوتنا مبتلين، مقرورين تحت سماء داكنة، وكأنها الشتاء الكبير).
لقد فشلت المدرسة في الامتحان، لأنها لم تمتحن الصبي الصغير، بأشياء كثيرة كان يعيشها ويحبها، أكثر من مواد المدرسة، لذا فالكاتب يردد : (لم تمتحني المدرسة، في متعتنا بليالي شهر رمضان).. (لم تمتحني المدرسة في العروض الليلية لكراكوز بازامة).. (لم تمتحني المدرسة في الليل الطويل، وأنا أجمع مع (ارحيمة وشيكو) صناديق الكرتون الفارغة، من على ناصية الجامع العتيق بميدان البلدية).. (لم تمتحني المدرسة في بهجة الضوء الذي يأخذ ليلنا في الحكايات).. لقد فشلت المدرسة في الامتحان إذاً، ونجح (الولد الصغير) في الحياة !

ونتوغل بعيداً مع ذلك الولد الصغير، في دهاليز مدينته، وهو يشدنا بلغته التصويرية، ويروي حكايته مع تلك (الغوريلا): (في سيرك الملعب البلدي، الذي كنا نجمع له الحمير من المدينة وأطرافها، ونبيع الحمار الواحد بجنيهين، فكانت الحمير غذاء الأسود والنمور والضباع.. أما تلك الغوريلا الشريرة التي كنا نلقي لها لفائف الحجارة، بدل الكاكاوية والموز ونوخزها برؤوس العصي المدبَّبة، فقد كانت تصرخ في وجهي كلما رأتني، فيأتي الحارس لإخراجي من دون الصبية، وإسكاتها بالطعام) !
وعندما تنمو التجربة، وتنضج الشخصية، تبدأ ملامح الموهبة بالتفتح، وسط تلك البيئة الزاخرة بالحياة والثقافة في آن معاً، حيث يؤكد الهنداوي: (..تلك الشوارع والأزقة، تتشابك في المدينة القديمة، الممتدة بشوارعها وأزقتها ومبانيها العتيقة المتلاصقة، وهي المنطقة التي شهدت ظهور معظم أدباء بنغازي وفنانيها، فكانت تلك الشخصيات الثقافية والفنية المعروفة، في ذلك الوقت، تعيش في ذاكرتي وأنا صغير، ولم تمتحني فيها المدرسة)!..
ويضيف: (..واللافت في تجربتي الأولى، أن تأثري بتجربة (الثالوث البنغازي الرائع) الصادق النيهوم، وخليفة الفاخري، وعلي الفزاني، كان له ظلال المكان، الذي تشكل فنياً ومنحنا تلك الخصوصية الفنية في تميز التجربة).
حكايات الهنداوي لا تأخذنا في رحلة عبر الزمن إلى بنغازي القديمة فحسب، بل تجعلنا نتعرف على ملامح شخصيات ما تزال حية في الذاكرة مثل الفحام العجوز، ومسعود البحار، وبوسعدية الودود، وصاحب الكيس، والفقي عبد الرسول، والحاجة المجرابية، والدلالة زهرة، والمدرس صاحب العصى، والعفريت، والحصان.. والذي يشبه الحصان، والحمار المجنون، وصاحب الفرن، ومن بين تلك الوجوه، يبرز أكثرها تكراراً وأهمية على الإطلاق، وهو الوالد (زنقي الجنجان) الذي لم يكن والداً بالمعنى الحقيقي، بل هو أكثر من ذلك، حيث يقول الكاتب: (.. وعندما عرفت في سن السادسة عشر أنه ليس أبي، وأنه رباني بعد وفاة والدي، احترمته أكثر، وخفت عليه أكثر، خفت عليه من اسمي الحقيقي الذي دخل حياتي الرسمية، وخفت عليه من رحيلي، وعندما هجرت بنغازي لأول مرة، أحسست بأنني هجرته، وعندما نشرت أول قصة قصيرة باسمي الحقيقي شعرت بالندم) !

(حكايات من بنغازي) ليست تاريخ مدينة فحسب، وليست أسماءً ووجوهاً وأحداثاً فقط، بل هي أعمق من ذلك بكثير، إنها (اللغة) المحكية الراسخة في الوجدان الشعبي، ولو أردنا إحصاء (الألفاظ) التي ضمتها تلك الحكايات، لأصبح لدينا قاموس من المفردات، التي لا نسمعها إلا على ألسنة أهل بنغازي، وليس في كل زمان، بل في ذلك الزمان الذي مضى، وظلت حكاياته عالقة في الأذهان !

ازقة مدينة بنغازي .

_ هذه قصة جميلة جدا :


_ قد يكون لأبيه الحاج أحمد العنيزي تأثير كبير على ممارسة القاص الليبي محمد العنيزي كتابة القصّة القصيرة.. حيث إنه عاش في بيت ثقافي ووسط مدينة عريقة عرفت بتاريخها الأسطوري المدوّن في أهم كتب المؤرخين أمثال هيرودوت..
فالأديب الحاج أحمد العنيزي يعتبر من روّاد كتابة القصة في ليبيا.. حيث مارس نشاطه الإبداعي في فترة الخمسينات..
ونشر قصصه في المطبوعات التي تصدر آنذاك.. وللأسف لم يصدر أي مجموعة قصصية إلا بعد عقود حيث تكرمت مجلة المؤتمر الليبية بإصدار مجموعته القصصية الأولى "حديث المدينة" عام 2006 م.
والاختلاف بين كتابة الأب والابن جاء في الموضوعات ولم يأت في اللغة.. حيث إن لغة الكاتبين واحدة.. تتميّز بالجمل الرصينة الواضحة ذات الدلالة المحددة للمراد التعبير عنه من دون أي إيهام أو لبس.. وذات إيقاع هادئ مريح للقارئ أثناء القراءة وأثناء إعمال ذهنه لفهم وتحليل هذه القراءة ومن دون استخدام أي كلمات معقدة لغويا أو غير مستخدمة بصورة كبيرة أو مستهجنة من ذائقة المجتمع العامة.
الاختلاف في كتابة الأب والابن أن الأب لحقت بكتاباته لكنة رومانسية حالمة تعبر عن أجواء الستينات والخمسينات وتجنح معظم قصصه نحو قول شيء يساهم في إصلاح الظواهر السلبية المنتشرة في ذلك الزمن.. الزمن الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة والذي جعل ليبيا في حالة إعادة بناء بنياتها التحتية والإنسانية بعد عقود طويلة من حكم الطليان وحكم الإدارة البريطانية وتداعيات الحرب العالمية الثانية التي دمرت المدن وأتت بنظام سياسي جديد تعرض للكثير من الصراعات بين أجنحته والفعاليات السياسية الموجودة في المدن الليبية الثلاث برقة وفزان وطرابلس آنذاك.
يكتب القاص الأب أحمد العنيزي قصصه مستندا بصورة كبيرة على تيمة المكان الذي عاش فيه فيسجل لنا معظم أحاديثه وأحداثه ومشاهده التي أثرت فيه.
لكن بعد عدة عقود يظهر لنا القاص محمد العنيزي ليواصل درب أبيه.. بنفس اللغة التي ورثها عبر قراءاته وعبر حياته اليومية مع الوالد وعبر حواراته الأدبية معه ليطل علينا بنصوص جميلة.. عند قراءتي لها لأول مرة شعرت أنني أمام كاتب من جيل الستينات حيث اللغة المميزة الواثقة من نفسها وهى تسير على خطوط الورق.. هذه اللغة الجذابة الأنيقة قرأتها عند النيهوم والفاخري والدلنسي والتكبالي والمقهور والمسلاتي وأخيرا نلاحظها بصورة جيدة لدى عبد الرسول العريبي والصديق بودوارة والناجي الحربي.
لكن مع تمعني في النصوص وقراءتها مجددا لاحظت أن القاص محمد العنيزي يكتب موضوعات جديدة.. يكتب عن المكان بصورة تفتح لنا تاريخه القديم خاصة الأسطوري المتعلق بنهر الليثي والتفاحات الذهبية وهرقل ويوسبيردس وبرنيق وغيرها ليصبّه لنا في قالب عصري جديد سهل التناول والتعاطي والتذوق ورشف العبر منه.
من خلال قراءتي لنصوص محمد العنيزي اكتشفت أنني أمام كاتب يؤرخ لتاريخ مدينة بنغازي وليبيا عبر فن القصة.. يكتب تاريخ هذه المدينة بنغازي إبداعيا.. هو ترعرع في سيدي خريبيش قرب المنارة وقرب مدينة يوسبيردس القديمة وقرب البحر وقرب الشوارع العتيقة الكثيرة المتفرعة من سوق الجريد والظلام وقرب الفندق البلدي هذا المكان البانورامي الذي يعطيك صورة حيّة يومية للحياة البنغازية.
لقد قرأ القاص محمد العنيزي معظم الكتب المتحدثة عن تاريخ ليبيا القديم والمعاصر خاصة كتب المؤرخ محمد مصطفى بازامة والكتب التي ترجمها الدكتور الوافي مثل كتاب الحوليات الليبية بالإضافة إلى قراءته لكتب الفلسفة الإغريقية والإسلامية والحديثة وللأدب الحديث خاصة الروايات العالمية المترجمة والروايات العربية المهمة كأعمال نجيب محفوظ وحنا مينا وعبد الرحمن منيف وغيرهم من المبدعين.
يكتب القاص قصته وينشرها ثم يمضي أي لا ينظر لها أو يتكلم عنها وهو قليل المشاركات في الأمسيات القصصية وحتى النشر فقصصه انتشرت أخيرا بفضل انتشار الشبكة المعلوماتية العالمية ومن قبل قليلا ما تجد له قصة هنا أو هناك في مطبوعاتنا المحلية.
يكتب العنيزي قصته وهو يدفع بعربة أحلامه إلى الأمام.. يجنبها المزالق والحفر ويتفقد عجلاتها بين الحين والآخر.. ويسكت أحلامه التي تبكي بوعود من الأمل المضيء.. يدفع عربته حالما بعالم جديد به صدق وبه نكهة وبه أصالة وجذور كالتي تفتّح عليها في شارع بوخمسين ومنارة سيدي خريبيش وأزقة المدينة العتيقة الكوزمبولية التي تنتج الحب وتوزع السلام.. يدفع عربة أحلامه وسط ظلام دامس معتمدا على نور الحلم وحده.. هذا النور الشبيه بنور السعادة ونور الابتسامة عندما تشرق فجأة.
لقد صدر هذا العام عبر منشورات مجلس الثقافة العام باكورة إنتاجه كتابه القصصي الجميل "عربة الأحلام" والذي احتوى على 42 نصا قصصيا نشر معظمها في المجلات والصحف الليبية والعربية.. هذه القصص استلهمت مساحة كبيرة من تاريخ هذه المدينة وقدمته طازجا معاصرا مبرزا المكان في صورته الحالية وعارضا للمشكلات بشكلها الجديد اليومي..
هو يتناول التفاصيل اليومية التي يعيشها في البيت وفي العمل وفى السوق وفى مشاعره الداخلية.. يتناولها بقلمه وينقشها على جدار وعيه ثم يفتح عليها ضوء الشمس ليراها كل من أحب.
محمد العنيزي من المبدعين الشباب الذين منحوا لفن القصة الليبي نفسا جديدا مضمخا برائحة التاريخ العريق الشبيه برائحة السلفيوم.. يكتب عن المدينة لأنه عاش فيها.. ويتخيل مدينة أخرى يجلبها من أغوارنا البعيدة.. مدينة عاش فيها وهو يحلم وعندما استيقظ لم يجدها فحاول عبر قلمه أن يصوّرها ويفعلّها ويبعث فيها الحياة..
هو ينقل مدينتنا هذه بنغازي إلى الماضي ثم يعيدها إلى الحاضر ثم يقذف بها إلى المستقبل الذي قد نعتبره مجهولا أو معروفا.. هو لم يقتل نصه ليجيب عن السؤال وترك النص معلقا في رقبة القارئ كأمانة.. كاتب قرأ وعاش واستفاد من كل تقنيات القصة القصيرة الحديثة فنجد نصوصه متنوعة مخلوطة جميلة من الشعر والفنتازيا واليومي الواقعي والتدوين التاريخي القريب من التسجيل.. في قصصه نقرأ قصصا بها معلومة ودهشة وسيناريو مرئي وأصوات ونكهات وجداريات نلمسها بأصابعنا فور ما تقرأ أعيننا الكلمة مباشرة.
يقول في قصته عربة أحلام: "الجميع يجرون عربة أحلامهم.. المثقفون والفلاسفة.. والكارزميون.. والجنرالات.. والكناسون.. والأطباء.. والأميون.. ورجال الأعمال.. والإسكافيون.. والباعة المتجولون.. والعتالون.. مباح للجميع أن يحلموا.. مباح لي الحلم كالماء والهواء.. لن أخسر شيئا من مالي لأشتري أحلاما طازجة أو معلبة.. أطفأت النور.. وشرعت أجر عربة أحلامي".
من عناوين قصصه: اليوم الأول للمدفأة.. إرث الخصوبة.. جوقة الديدان.. تفاح بلون الذهب.. ذكريات الأزقة الضيقة.. صندوق البريد.. عربة أحلام.. هاجس الصحوة.