_ هذه قصة جميلة جدا :
_ قد يكون لأبيه الحاج أحمد العنيزي تأثير كبير على ممارسة القاص الليبي محمد العنيزي كتابة القصّة القصيرة.. حيث إنه عاش في بيت ثقافي ووسط مدينة عريقة عرفت بتاريخها الأسطوري المدوّن في أهم كتب المؤرخين أمثال هيرودوت..
فالأديب الحاج أحمد العنيزي يعتبر من روّاد كتابة القصة في ليبيا.. حيث مارس نشاطه الإبداعي في فترة الخمسينات..
ونشر قصصه في المطبوعات التي تصدر آنذاك.. وللأسف لم يصدر أي مجموعة قصصية إلا بعد عقود حيث تكرمت مجلة المؤتمر الليبية بإصدار مجموعته القصصية الأولى "حديث المدينة" عام 2006 م.
والاختلاف بين كتابة الأب والابن جاء في الموضوعات ولم يأت في اللغة.. حيث إن لغة الكاتبين واحدة.. تتميّز بالجمل الرصينة الواضحة ذات الدلالة المحددة للمراد التعبير عنه من دون أي إيهام أو لبس.. وذات إيقاع هادئ مريح للقارئ أثناء القراءة وأثناء إعمال ذهنه لفهم وتحليل هذه القراءة ومن دون استخدام أي كلمات معقدة لغويا أو غير مستخدمة بصورة كبيرة أو مستهجنة من ذائقة المجتمع العامة.
الاختلاف في كتابة الأب والابن أن الأب لحقت بكتاباته لكنة رومانسية حالمة تعبر عن أجواء الستينات والخمسينات وتجنح معظم قصصه نحو قول شيء يساهم في إصلاح الظواهر السلبية المنتشرة في ذلك الزمن.. الزمن الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة والذي جعل ليبيا في حالة إعادة بناء بنياتها التحتية والإنسانية بعد عقود طويلة من حكم الطليان وحكم الإدارة البريطانية وتداعيات الحرب العالمية الثانية التي دمرت المدن وأتت بنظام سياسي جديد تعرض للكثير من الصراعات بين أجنحته والفعاليات السياسية الموجودة في المدن الليبية الثلاث برقة وفزان وطرابلس آنذاك.
يكتب القاص الأب أحمد العنيزي قصصه مستندا بصورة كبيرة على تيمة المكان الذي عاش فيه فيسجل لنا معظم أحاديثه وأحداثه ومشاهده التي أثرت فيه.
لكن بعد عدة عقود يظهر لنا القاص محمد العنيزي ليواصل درب أبيه.. بنفس اللغة التي ورثها عبر قراءاته وعبر حياته اليومية مع الوالد وعبر حواراته الأدبية معه ليطل علينا بنصوص جميلة.. عند قراءتي لها لأول مرة شعرت أنني أمام كاتب من جيل الستينات حيث اللغة المميزة الواثقة من نفسها وهى تسير على خطوط الورق.. هذه اللغة الجذابة الأنيقة قرأتها عند النيهوم والفاخري والدلنسي والتكبالي والمقهور والمسلاتي وأخيرا نلاحظها بصورة جيدة لدى عبد الرسول العريبي والصديق بودوارة والناجي الحربي.
لكن مع تمعني في النصوص وقراءتها مجددا لاحظت أن القاص محمد العنيزي يكتب موضوعات جديدة.. يكتب عن المكان بصورة تفتح لنا تاريخه القديم خاصة الأسطوري المتعلق بنهر الليثي والتفاحات الذهبية وهرقل ويوسبيردس وبرنيق وغيرها ليصبّه لنا في قالب عصري جديد سهل التناول والتعاطي والتذوق ورشف العبر منه.
من خلال قراءتي لنصوص محمد العنيزي اكتشفت أنني أمام كاتب يؤرخ لتاريخ مدينة بنغازي وليبيا عبر فن القصة.. يكتب تاريخ هذه المدينة بنغازي إبداعيا.. هو ترعرع في سيدي خريبيش قرب المنارة وقرب مدينة يوسبيردس القديمة وقرب البحر وقرب الشوارع العتيقة الكثيرة المتفرعة من سوق الجريد والظلام وقرب الفندق البلدي هذا المكان البانورامي الذي يعطيك صورة حيّة يومية للحياة البنغازية.
لقد قرأ القاص محمد العنيزي معظم الكتب المتحدثة عن تاريخ ليبيا القديم والمعاصر خاصة كتب المؤرخ محمد مصطفى بازامة والكتب التي ترجمها الدكتور الوافي مثل كتاب الحوليات الليبية بالإضافة إلى قراءته لكتب الفلسفة الإغريقية والإسلامية والحديثة وللأدب الحديث خاصة الروايات العالمية المترجمة والروايات العربية المهمة كأعمال نجيب محفوظ وحنا مينا وعبد الرحمن منيف وغيرهم من المبدعين.
يكتب القاص قصته وينشرها ثم يمضي أي لا ينظر لها أو يتكلم عنها وهو قليل المشاركات في الأمسيات القصصية وحتى النشر فقصصه انتشرت أخيرا بفضل انتشار الشبكة المعلوماتية العالمية ومن قبل قليلا ما تجد له قصة هنا أو هناك في مطبوعاتنا المحلية.
يكتب العنيزي قصته وهو يدفع بعربة أحلامه إلى الأمام.. يجنبها المزالق والحفر ويتفقد عجلاتها بين الحين والآخر.. ويسكت أحلامه التي تبكي بوعود من الأمل المضيء.. يدفع عربته حالما بعالم جديد به صدق وبه نكهة وبه أصالة وجذور كالتي تفتّح عليها في شارع بوخمسين ومنارة سيدي خريبيش وأزقة المدينة العتيقة الكوزمبولية التي تنتج الحب وتوزع السلام.. يدفع عربة أحلامه وسط ظلام دامس معتمدا على نور الحلم وحده.. هذا النور الشبيه بنور السعادة ونور الابتسامة عندما تشرق فجأة.
لقد صدر هذا العام عبر منشورات مجلس الثقافة العام باكورة إنتاجه كتابه القصصي الجميل "عربة الأحلام" والذي احتوى على 42 نصا قصصيا نشر معظمها في المجلات والصحف الليبية والعربية.. هذه القصص استلهمت مساحة كبيرة من تاريخ هذه المدينة وقدمته طازجا معاصرا مبرزا المكان في صورته الحالية وعارضا للمشكلات بشكلها الجديد اليومي..
هو يتناول التفاصيل اليومية التي يعيشها في البيت وفي العمل وفى السوق وفى مشاعره الداخلية.. يتناولها بقلمه وينقشها على جدار وعيه ثم يفتح عليها ضوء الشمس ليراها كل من أحب.
محمد العنيزي من المبدعين الشباب الذين منحوا لفن القصة الليبي نفسا جديدا مضمخا برائحة التاريخ العريق الشبيه برائحة السلفيوم.. يكتب عن المدينة لأنه عاش فيها.. ويتخيل مدينة أخرى يجلبها من أغوارنا البعيدة.. مدينة عاش فيها وهو يحلم وعندما استيقظ لم يجدها فحاول عبر قلمه أن يصوّرها ويفعلّها ويبعث فيها الحياة..
هو ينقل مدينتنا هذه بنغازي إلى الماضي ثم يعيدها إلى الحاضر ثم يقذف بها إلى المستقبل الذي قد نعتبره مجهولا أو معروفا.. هو لم يقتل نصه ليجيب عن السؤال وترك النص معلقا في رقبة القارئ كأمانة.. كاتب قرأ وعاش واستفاد من كل تقنيات القصة القصيرة الحديثة فنجد نصوصه متنوعة مخلوطة جميلة من الشعر والفنتازيا واليومي الواقعي والتدوين التاريخي القريب من التسجيل.. في قصصه نقرأ قصصا بها معلومة ودهشة وسيناريو مرئي وأصوات ونكهات وجداريات نلمسها بأصابعنا فور ما تقرأ أعيننا الكلمة مباشرة.
يقول في قصته عربة أحلام: "الجميع يجرون عربة أحلامهم.. المثقفون والفلاسفة.. والكارزميون.. والجنرالات.. والكناسون.. والأطباء.. والأميون.. ورجال الأعمال.. والإسكافيون.. والباعة المتجولون.. والعتالون.. مباح للجميع أن يحلموا.. مباح لي الحلم كالماء والهواء.. لن أخسر شيئا من مالي لأشتري أحلاما طازجة أو معلبة.. أطفأت النور.. وشرعت أجر عربة أحلامي".
من عناوين قصصه: اليوم الأول للمدفأة.. إرث الخصوبة.. جوقة الديدان.. تفاح بلون الذهب.. ذكريات الأزقة الضيقة.. صندوق البريد.. عربة أحلام.. هاجس الصحوة.
الاثنين، 1 سبتمبر 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق